LNDP
Lebanese Network For Develpment and Peace
https://linktr.ee/LNDP
03/08/2025
مؤتمر ترتيب البيت السني ٢ آب ٢٠٢٥ الذي اقيم في مركز مريم بنت عمران - بيروت
بحضور شخصيات من كل لبنان
01/08/2025
*منطق المهندس و الطريق في الضباب*
د.عبدالرحمن المبشر
في زمنٍ يعاني فيه العمل الاسلامي من فراغ في الكفاءة السياسية، وتغرق فيه الساحة في لبنان بممارسات عبثية، يكثر التساؤل: لماذا لا يخوض المهندسون قادة العمل الاسلامي ، الذين يتمتعون بالكفاءة التحليلية والقدرة التنظيمية والانضباط المنهجي، غمار العمل السياسي؟
ولماذا، حين يُعرض على أحدهم فرصة سياسية “شبه مضمونة”، يتراجع؟ لماذا يتردد آخر بعد سنوات من البحث في الشأن العام، ولا يخطو خطوة تأسيسية واحدة؟
هل السياسة معطوبة؟ أم أن نظرتهم إليها محكومة بأدوات ليست مهيأة لفهمها؟
*الهندسة والسياسة: عقليتان متباعدتان*
المهندس، بطبيعة تكوينه، يعمل وفق نموذج صارم: كل مشروع له بداية واضحة، مراحل محددة، خطوات قابلة للقياس، مخاطر محسوبة، ونهاية يمكن التنبؤ بها. النجاح بالنسبة له هو نتيجة منضبطة، تتحقق حين تتطابق النتائج مع المخطط.
في المقابل، السياسي لا يتحرك في بيئة مشابهة. السياسة ليست مشروعًا تقنيًا، بل فضاءً مفتوحًا للتفاعلات، قائم على الاحتمالات لا اليقين، وعلى التقدير لا الحساب، وعلى التأثير لا الدقة. السياسي يتحرك بين الأهواء، التناقضات، الضغوط، المصالح، والأزمات. النجاح السياسي لا يُقاس بالأرقام فقط، بل أحيانًا بالصورة والانطباع والقدرة على بناء تحالف هش لتمرير قرار صغير في لحظة دقيقة.
*حين يُسقط المهندس أدواته على السياسة*
كثير من المهندسين الذين يُطلب منهم دخول السياسة، يتراجعون لأن “الصورة غير واضحة”، أو لأن “كل عناصر اللعبة غير مفهومة بالكامل”، أو لأن “المنظومة فاسدة وغير قابلة للحل العلمي”. هذه مقاربة صادقة، لكنها قد تحمل خللًا جوهريًا في الفهم.
الخلل ليس في السياسة، بل في إسقاط منطق علمي/تطبيقي على واقع رمزي/سياقي.
السياسة لا تُدار كالمشاريع. هي لا تنتظر اكتمال الصورة لتبدأ، بل تُبنى بفعل المبادرة، وتُصحح خلال الطريق. إن الانتظار الدائم للفهم الكامل قبل الفعل، يعني شللًا أبديًا في الفضاء السياسي.
*الضباب ليس عيبًا في الطريق… بل جزء من طبيعته*
السياسي يقود وسط ضباب. لا يرى كل شيء. يتعامل مع المعطيات الناقصة. يغامر. يتراجع حينًا ويتقدم حينًا. يختبر الواقع، لا يضعه على ورق فقط. أما المهندس، فقد يُخيفه هذا الضباب، فيعتبره دليلًا على الفشل المتوقع، بينما هو في السياسة شرط للحركة.
على المهندس ان اراد خوض السياسة أن يعيد تعريف أدواته، ويتخلى عن وهم “الخطة الكاملة” و”التحكم المطلق” و”الوضوح التام”، لأن هذه المفاهيم ببساطة غير موجودة في السياسة.
*إعادة تعريف النجاح في السياسة*
منطق المهندس يقول: “إذا لم أكن قادرًا على تقديم حل كامل، فأنا لست جاهزًا بعد”. لكن السياسي يقول: “أبدأ بما هو متاح، وأُبقي عيني على الهدف الأكبر”.
في السياسة:
• لا تنتظر الإجابة على كل الأسئلة، بل تبدأ أحيانًا بطرح السؤال في ساحة الفعل.
• لا تملك دائمًا الحل الكامل، لكن تملك القدرة على الدفع باتجاه الحلول.
• لا تقف خارج اللعبة لتحللها، بل تدخلها لتفهمها من الداخل.
*ليس خطأً في الواقع… بل سوء مطابقة*
الخطأ ليس في المهندس، بل في الاعتقاد أن السياسة يجب أن تشبه ادارة المشاريع هندسية. كما أن السياسي الذي يقارب السياسة كحلبة شعرية فارغة من المنهج والمنطق يقع في خطأ معاكس.
لابد أن نفهم أن جزءًا من السياسة هو اللايقين، وأن اتخاذ القرار رغم نقص المعطيات ليس تهورًا، بل مهارة سياسية بحد ذاتها.
*خاتمة: من التحليل إلى المبادرة*
ما ينقصنا حالياً ليس العقول، بل الفعل. و النفوس المستعدة لخوض المجهول. نحتاج أن نتصالح مع حقيقة بسيطة: السياسة ليست علمًا تطبيقيًا، بل ممارسة تتشكل بالاحتكاك، لا بالتأمل وحده.
ليس من العيب أن لا تفهم كل شيء قبل أن تبدأ. لكن الخسارة الكبرى أن تنتظر فهم كل شيء… ولا تبدأ أبدًا.
Click here to claim your Sponsored Listing.
Website
Address
Beirut
961