Ayn
منصة "عين": توثيق بصري للمآسي والمقاومة، تحفظ الذاكرة وتمنح صوتًا للمهمّشين
01/06/2026
حل… اللا حلّ
دعونا نسمّي الأشياء بأسمائها.ما طُرح اليوم على طلاب السويداء ليس حلًا.هو مسرحية حلّ.هو اقتراح صُمّم ليُرفض.هو باب مغلق يُقدَّم على أنه نافذة.
ولأنهم يفترضون أننا سنقبل أي شيء تحت ضغط الوقت والخوف، صار واجبًا أن نناقش هذا “الحل” معكم… بصراحة كاملة.
١) 13,500 طالب… و250 باصًا غير موجودين أصلًا
عندما تقول الدولة:“سننقل طلاب السويداء إلى دمشق وريفها عبر الباصات”،فهي تقول شيئًا تعرف أنه غير موجود.
13,500 طالب
كل باص يتسع لـ50 طالب
نحتاج إلى 250 باص
وهذا الرقم لا تملكه سوريا كلها اليوم
إذًا…هل هذا حل؟أم ورقة مكتوبة على الطاولة لا علاقة لها بالواقع؟
٢) وإذا رافق كل طالب أحد أهله؟
من الطبيعي أن يرافق الأهل أبناءهم.وهذا يعني:
500 باص
ذهاب وإياب يوميًا
على طريق يعتبره الجميع غير آمن
هل هناك عاقل يصدق أن هذا ممكن؟أم أن المطلوب أن نقول: “لا نستطيع”، فيُقال لنا: “إذن الامتحانات خارج السويداء… انتهى النقاش”.
٣) الطريق… الخطر الذي يتجاهلونه عمدًا
الطريق بين السويداء ودمشق ليس مجرد مسافة.هو خطر يومي.هو ذاكرة دم.هو مكان لا يثق به أحد.
ومع ذلك، يطلبون من آلاف الطلاب أن يقطعوه مرتين يوميًا.هل هذا حل؟أم طريقة ناعمة لقول: “لن نقدّم الامتحانات هنا”؟
٤) الحل المطروح… حلّ تعجيزي بامتياز
عندما يُطرح حل يعرف صاحبه أنه مستحيل التنفيذ، فهذا ليس حلًا.هذا تعجيز.هذا رفع مسؤولية.هذا دفع المجتمع نحو اليأس.
إنه حلّ مكتوب ليُقال عنه لاحقًا:“لقد حاولنا… لكنكم أنتم من رفض”.
بينما الحقيقة أن ما طُرح غير قابل للتطبيق أصلًا.
٥) الأمم المتحدة… نسخة دولية من المشكلة
الوفد الأممي جاء ليستمع، وهذا جيد.لكن ما طُرح حتى الآن لا يختلف كثيرًا:
نقل الطلاب
أو نقل اللجان
أو حلول وسط لا تغيّر شيئًا
هل هذا حل؟أم محاولة لإرضاء الجميع دون حلّ أي شيء؟
٦) لماذا نقول إن هذا “حلّ… لا حلّ”؟
لأن الحل الحقيقي واضح وضوح الشمس:
الامتحانات داخل السويداء… بنظام رقابة محلي أو محايد… وبضمانات واضحة.
كل ما عدا ذلك هو:
إضاعة وقت
إلقاء مسؤولية
صناعة أزمة جديدة
ودفع الناس نحو قبول المستحيل على أنه “الخيار الوحيد”
لكننا نعرف، وأنتم تعرفون، أن هذا ليس خيارًا… بل فخًّا.
الخلاصة: الحلّ الذي يُطرح اليوم… ليس حلًا
هو تعجيز.هو ضغط.هو محاولة لدفع السويداء إلى زاوية ضيقة.هو حلّ مكتوب ليُرفض، كي يُقال لاحقًا إن “السويداء هي من عطّلت الامتحانات”.
لكن الحقيقة بسيطة:
الحل الوحيد الممكن… هو الامتحانات داخل السويداء.وما عدا ذلك…هو حلّ لا حل
#عين
28/05/2026
حُرّاس المدن
هناك دائمًا أشخاص يولدون وفي قلوبهم مدينة.
لا يحملون اسمها فقط، بل يحملون ظلّها، حجارتها، ذاكرتها، وأصوات الذين مرّوا فيها.
هؤلاء لا يغادرون المدن حتى لو ابتعدت خطواتهم عنها؛
فالمدينة تمشي معهم، وتتنفّس في صدورهم، وتضيء طريقهم حين يبهت الضوء.
يُعرفون بين الناس بأسماء كثيرة، لكن التاريخ يسمّيهم اسمًا واحدًا:
حُرّاس المدن.
هم الذين يقفون في وجه النسيان،
يحملون راية الضوء حين يثقل الليل،
ويفتحون الكتب القديمة ليعيدوا للذاكرة حقّها.
لا يحمون حجارة فقط، بل يحرسون روح المكان…
روحًا لا تُرى، لكنها تُشعر، وتُعاش، وتُخلَّد.
هؤلاء الحُرّاس لا يأتون من فراغ،
بل من سلالةٍ طويلة من الذين حملوا المدن على أكتافهم دون أن يطلبوا مجدًا،
ومن الذين عرفوا أن الأماكن ليست جدرانًا،
بل حياة كاملة تحتاج من يصونها.
هم الذين يسمعون ما لا يسمعه الآخرون:
خشخشة الزمن في الأزقة،
أنين البيوت القديمة،
وهمس الذاكرة حين تخاف أن تُمحى.
وحين تتعب المدن،
وحين يثقل عليها الغبار،
وحين تتشقق الطرقات من ثقل الغياب،
ينهض هؤلاء الحُرّاس كأنهم امتدادٌ طبيعي لحجارتها،
يقفون بين الماضي والمستقبل،
بين ما كان وما يجب أن يبقى،
يحملون الضوء في يد،
والمعرفة في اليد الأخرى،
ويعيدون للمدينة حقّها في أن تُرى،
وفي أن تُحَب،
وفي أن تُتذكّر
ُمحى
26/05/2026
"يمرّ عيد الأضحى هذا العام على السويداء مثقلاً بغيابٍ لا يُعوَّض، وبجراحٍ ما زالت تنزف منذ مجازر تموز. في هذا اليوم الذي كان يجمع البيوت على الفرح، نقف مع أهلنا هناك بقلب واحد، نُحيي ذكرى الشهداء، ونواسي قلوب الأمهات والآباء الذين حملوا الألم بصمتٍ يشبه البطولة.
رحم الله من رحلوا، وصبّر من بقوا، وجعل نورهم حاضرًا في كل عيد.
24/05/2026
اقترب العيد… وما زال جرحنا مفتوحاً، وقرانا مستباحة، وأحباؤنا غائبين مغيّبين قسراً، لا يُسمع لهم صوت، ولا يُعرف لهم طريق.
مرّت الأيام والشهور كلمح البصر، لكنها عبرت فوق قلوبنا بثقل الجبال، تترك في الروح ندوباً لا تلتئم، وفي الذاكرة وجعاً لا يهدأ.
أستعيد صور الأعياد الماضية، فأشعر كأنها تنتمي إلى حياة أخرى؛ حياة كانت البيوت فيها تمتلئ دفئاً، وكانت الضحكات تتسابق في أرجائها، و فرحة العيد تبدأ قبل قدومه بأيام.
كم كنا ننتظر العيد بشغف الأطفال… نفرح بالملابس الجديدة، وبرائحة كعك العيد التي كانت تملأ البيوت حناناً، وباجتماع الأحبة حول موائد الفرح، حتى إننا كنا نحزن لرحيله وكأن شيئاً جميلاً يُنتزع من أعمارنا.
أما اليوم، فقد جاء العيد مثقلاً بالحزن، يطرق أبوابنا بصمتٍ بارد، فلا نجد في قلوبنا متّسعاً لفرحه.
لقد أنهكتنا الخسارات، وأتعبتنا صور الفقد، حتى صار الحزن مقيماً في أرواحنا، يسبق كل بهجة ويطفئها قبل أن تولد.
هذا العام لن يأتي العيد كما عرفناه يوماً؛ سيمر كأي يوم عابر، تختلط فيه الدموع بالدعوات، وتُفتح فيه المضافات لا لاستقبال المهنئين، بل لاستقبال المعزّين بشهداء مجازر تموز، وكأن الحزن وحده صار ضيفنا الدائم.
ومن شدّة ما أصبح العيد غريباً عنا، بتُّ أهرب من كل ما يذكّرني به؛ من الأغاني، ومن الكلمات، وحتى من ملامح الفرح العابرة.
قبل أيام كنت أستمع إلى أغنية تردد:
“أتدري للفرحة كم صوت…”
أرددها بلا انتباه، كأي لحن يمر عابراً، حتى سمعت فجأة:
“هل قلت لتوك عيد؟”
عندها فقط شعرت بشيء ينكسر داخلي..
انهمرت دموعي بلا إرادة، وكأن قلبي أدرك في تلك اللحظة وحدها معنى أن يمر العيد بلا فرح، وأن يفقد الإنسان شعوراً كاملاً كان يوماً يملأ روحه بالحياة.
عذراً أيها العيد…
فنحن هذا العام لسنا كما كنّا.
نأتي إليك مثقلين بالفقد والحنين، نحمل في أرواحنا وجع الغائبين، وصدى الأصوات التي غابت قسراً. وأحزاناً أطفأت فينا قدرتنا على الاحتفال.
فلا نحن نتمنى أن يعود العام علينا، ولا نتمنى أن نكون من عوّادك، ما دام في القلب كل هذا الألم، وما دامت أراضينا بعيدة، وأحباؤنا غائبين، لا يجمعنا بهم عيد، ولا لقاء.
المقال : هبه كمال أبوسعدا
14/05/2026
"جبل العرب" أحدث تسميات السويداء: عن المحو الثقافي للدروز بعد المجزرة
أطلق الكاتب والمترجم اللبناني عجاج نويهض (1897- 1982) تسمية "جبل العرب" على السويداء، وذلك في سهرة وداع لسلطان الأطرش ورفاقه المنفيين عام 1937، أقيمت احتفالاً بعودتهم من الأردن إلى سوريا بعد العفو الفرنسي عن المنفيين، حيث تشير المرويات إلى أن نويهض القومي العربي والمنحدر من عائلة درزية، خطب قائلاً: "أنتم عائدون إلى جبل الدروز لا بل إلى جبل العرب"، وتضيف المرويات التي لا يمكن الحسم بصحتها، ويجدر التشكك بها إلى أن سلطان الأطرش قاطع نويهض قائلاً :"نعم جبل العرب، هذه هي التسمية الحقيقية، وكل ما سواها غير مقبول" بالطبع من يعرف أصول مثل هذه المحافل، وآداب السلوك فيها، والمكانة الاجتماعية التي تمتع بها سلطان الأطرش، يعلم أن مثل هذه الحماسة والخفّة المنسوبة له يجب أن تكون موضع شك، فكيف إذا قارناها بخياراته السياسية التالية لعودته، والتي التزمت الـحفاظ على امتيازات جبل الدروز الإدارية في وجه سلطة مركزية لم تخف يوماً سوء سريرتها اتجاهه، ولم تتردد في إثارة القلاقل واستخدام البطش عندما تيسر لها هذا، وليست مواجهات ١٩٤٧ ودور سلطة القوتلي فيها، أو مجزرة ١٩٥٤ إلا أمثلة ودلائل، ما يتركنا بالفعل أمام رواية ضعيفة للحادثة ربما جرى تلفيق تفاصيلها لاحقاً، رغم عدم نفي وقوعها.
سيجري لاحقاً تداول التسمية في الخطابات البلاغية، وقصائد الوحدة الوطنية، ومواضيع الإنشاء، وستكتب على جدران المباني الرسمية لدولة "البعث/ الأسد"، رغم أنه لم يجر تبنيها رسمياً للدلالة على المنطقة، بينما تعزز استخدامها البلاغي لأنها ناسبت المشروع السياسي والأيديولوجي، والمزاج الخطابي العروبي البعثي لأبناء الأرياف الذين استولوا على السلطة منذ مطلع الستينيات، ولم ينتشر استخدامها في المرحلة التي تلت الاستقلال مثلاً، أو حتى بين تيارات سياسية وازنة في السويداء من الشيوعيين والسوريين القوميين.
هكذا حضرت التسمية في الخطابات ومحافل الرطانة البليدة ومواضيع الإنشاء التي ميزت عهد البعث، رغم عدم وجودها إدارياً في الأوراق الرسمية، وعدم استخدامها في اللهجة المحكية التي تفضل تسمية "الجبل" دون لاحقة أو جبل الدروز، أو في الأغاني الشعبية والشعر النبطي المتداول في المنطقة، والذي احتفظ بتسميات "الجبل" دون أي لاحقة أيضاً، أو استخدم تسميات من قبيل "ريان" العربية و"حوران" الآرامية العبرية المُعرّبة لسهولة إدراجها في القوافي الشعرية، بينما بقيت أقل تداولاً تسمية مثل "باشان" الآرامية العبرية والتي جرت استعادتها السياسية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ، وكانت قبلها محصورة أكثر في الأبحاث التاريخية والأركولوجية، وأسماء عدد من المؤسسات التجارية والخدمية والسياحية في مختلف أرجاء السويداء، كواحدة من التسميات الأقدم المعروفة للمنطقة.
غير أن الدلالة الاجتماعية والثقافية للتسميات والكلمات، لا تنشأ من اللفظ وحده، بل من تاريخه وموقع قائله، وعلاقات القوة بين الجماعات، وفي هذا السياق لا يمكن نكران الأثر المدمر الذي تركته الغزوة الإبادية التي شنتها سلطة الميليشيات المتطرفة وحلفائها من العشائر على السويداء وأهلها، والتي استهدفت صراحة بحسب هتافات المظاهرات التي سبقتها، ومهدت لها في المدن السورية إبادة الوجود الدرزي في الجبل، ومحو مظاهره الثقافية والاجتماعية، كما سبق وحصل تماماً مع دروز إدلب، لذا لم يكن عبثاً أو إمعاناً في الإجرام فقط عمليات قص الشوارب، وتدمير المقامات الدينية ونبش القبور، خاصة أنها تزامنت مع جرائم القتل الواسعة وعمليات التهجير القسري وتدمير آبار المياه وسرقة المنازل وإحراقها.
ضمن هذا السياق الإبادي، وما رافقه من خذلان وطني، ودعم وتأييد وتمهيد للحملة الإبادية على الدروز، أو تواطؤ وصمت وتستر وتبرير بحجج واهية، تستعيد سلطة الميليشيات اليوم تسمية "جبل العرب" ويساندها في هذا قوس واسع من مؤيديها وشبكات الإعلام والتلفزيونات الموالية لها، يضاف إليها شبكة واسعة من منصات المعارضة السابقة، ومراكزها البحثية ووسائل إعلامها، والتي يتمول بعضها من دول شاركت في جرائم الإبادة ودعمها على مستويات عدة، بينما يتمول بعضها الآخر من منح أوروبية وأميركية، تم الوصول إليها في سياق الحرب السورية، وما رافقها من سطو وترويج روايات كاذبة وتعويم شخصيات فارغة ومشبوهة في أوساط السياسة والفكر والثقافة وحقوق الانسان، كما يتورط في الترويج لهذا الاستخدام غير البريء باحثون وكتاب وصحفيون…، ينحدر بعضهم من السويداء نفسها، ويظن غالبيتهم أنهم يقفون في وجه سلطة الأمر الواقع، رغم اتفاقهم وتقاطعهم في العمق مع مشروعها السياسي المركزي الإقصائي القائم على الأمة الواحدية واللغة الواحدة والدين الأسمى والمحو الثقافي والتذويب القومي ضمن المشروع الذي تسعى لبنائه، وانتماءهم مع هذه السلطة إلى نفس البنية الأيديولوجية والسياسية الفاسدة التي سادت في الفضاء السياسي السوري، وكرستها سنوات الحرب الدامية ومؤسسات المعارضة السورية المعروفة بفسادها البنيوي وليس فقط المالي.
لذلك فالتسمية هنا أبعد من دلالة جغرافية أو إدارية، وهي لم تكن يوماً مجرد جغرافيا أو شأن إداري، فالاسم أداة ذاكرة وسيادة رمزية وسياسية، إذ تحفظ الأسماء الأماكن وهويتها الثقافية، كما تستخدم لتثبيت التحولات السياسية وعلاقات الهيمنة.
تاريخيا اقترنت كلمة "العرب" للدلالة على الجماعات التي تحتفظ بنمط حياة متنقل وراحل، واستمرت هذه الدلالة في الأدبيات العربية، حتى انتشلها القوميون العرب أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وأعطوها بعدها "القومي" ، ودلالتها الحديثة على شعب عربي وأمة عربية، وبقيت الدلالة الحديثة وفكرة وجود "أمة عربية" موضع جدل حتى يومنا هذا، كما أنها في عاميات بلاد الشام ومصر بقيت كلمة تستخدم معادلة لوصف البدو الرحل. ولو ربطنا هذا بسلوكيات سلطة الميليشيات، وتسليمها مفاصل القرار في السويداء لعدد من المنحدرين من عائلات بدوية، لما عاد خفياً دلالة الإصرار على تسمية "جبل العرب" في إعلام السلطة والإعلام الرديف لها وذاك المُقنّع بمعارضتها، خاصة إذا اجتمع مع محاولات بث روايات هزيلة تقول أن الدروز "مهاجرون" جدد إلى المنطقة، مع العلم أن استقرار الدروز في الجبل، سبق استقرار العشائر في قرى ومدن بلاد الشام عموماً، سواء عشائر حوران أو تلك المستقرة في أرياف حماة وحلب والجزيرة وضفاف الفرات، والتي لم يبدأ توطنها قبل أواخر القرن الثامن عشر وتصاعد فيما بعد، إلا أنه لم يبلغ ذروته قبل القرن العشرين، ضمن السياسات التي قادتها فرنسا للتوطين، ومن ثم دولة البعث.
بهذا لا يهدف الإصرار على التسمية إلى تثبيت وحدة وطنية تساوي بين مواطنين أمام القانون، ويتمتع فيها "سوري/ درزي / مسيحي/علوي…" بحقوقه الفردية كما غيره ضمن دولة مواطنة وقانون، على ما يظن بعضهم عن سذاجة أو تواطؤ، بل هي تسمية تهدف اليوم إلى القطع بين الدروز وجزء من أرضهم التاريخية الممتدة في بلاد الشام، وإضعاف انتقال الذاكرة بين الأجيال، لا بل ضربها وتشويهها في هذا المقام، وجعل الوجود الدرزي بما فيه من مظاهر حياة ثقافية واجتماعية تميزه عن غيره عابراً في الخرائط والوثائق والإعلام والتعليم، وإعادة تعريف المكان وفق لغة السلطة وأتباعها، حتى أولئك منهم الذين يظنون أنفسهم معارضيها، لكنهم يبنون خطابهم على أرضيتها، ظناً منهم أن هذه السذاجة/ أو التواطؤ على الذات هي الوطنية ونبذ الطائفية!!
فالتسمية بلغة بيير بورديو، جزء من السلطة الرمزية والقدرة على جعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية وشرعية، ذلك أنها قدرة على “صنع العالم” أو تصنيعه اجتماعياً عبر التصنيف والتسمية والاعتراف.
ضمن هذا الظرف، وبعد الاجتياح البربري، وما شهده من جرائم ارتكبتها قطعان الهمج، فالإصرار على فرض تسمية "جبل العرب" واستخدامها الموسع والممنهج هو جزء من الإبادة السياسية والسوسيولوجية، خاصة أنه ترافق مع نمط واسع من الانتهاكات شملت استهداف جماعة على أساس ديني، واستهداف ذاكرتها ورموزها وأنماط عيشها ومؤسساتها الدينية، وتهجيرها قسرياً، فضلا عن عمليات القتل الواسعة والانتهاكات الجنسية بحق نساءها.
قد لا يثبت اعادة استخدام التسمية جريمة الإبادة قانونيا، لكنه يثبت النية بمحو الجماعة ثقافيا، وهذا ما لا يخفيه إعلام السلطة ودوائرها، وكما سبق وأشرت أكثر من مرة من يظنون نفسهم معارضيها ولو كانوا دروزاً، ممن يريدون الذوبان في الوطنية المسمومة، التي أنتجت قرناً من الحروب والصدامات الأهلية إلى الآن.
بدوره القانون الدولي يحمي التسميات بوصفها جزءا من الهوية واللغة والحقوق الاجتماعية والثقافية، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ينص على أن أفراد الأقليات الإثنية أو الدينية أو اللغوية لا يجوز حرمانهم من حقهم، بالتمتع بثقافتهم أو استخدام لغتهم.
بناء على ما سبق لا يمكن تجاهل أن دلالة التسمية تتشكل سياقياً كجزء من الصراع على الذاكرة والوجود.
وما يتعرض له الدروز اليوم من محاولة إبادة ومحو وجودهم الثقافي والاجتماعي والديني، لا يمكن فصله عن ترسيخ السلطة ومنابرها لتسمية "جبل العرب" وفرضها بالتزامن مع التشكيك بوجود الدروز في المكان، الذي يتصاعد لدرجة الدعوة لترحيلهم وابادتهم، إذ لم يبق منصة أو مجلة أو بودكاست لم تستخدم التسمية في تغييب ممنهج لأي تسميات أخرى للمكان ولأهله (المطلوب إفناءهم وتذويبهم).
لا يمكن الوقوع في خطيئة الجيل القومي مرة ثانية، ذاك أن رموز التيار القومي العربي من أبناء السويداء دفعوا حياتهم في السجون والمنافي وغبار المعارك والتشريد، ولم يحصدوا مع أبناءهم إلا الإقصاء والإذلال والإهانة وحملات قص الشوارب، والدعوة للتهجير والإبادة.
هذا ما لا يدركه من يظنون أنفسهم معارضون للسلطة، وهم مثلها قادمون من نفس التربة السياسية الفاسدة، ويبنون على نفس الأساس الأعوج.
قد يفهم ما سبق أنه دعوة للانعزال، على ما تقول رطانة وطنية بليدة، إلا أن البناء على هذه الأرضية الفاسدة سواء من موقع الانخراط مع هذه السلطة أو معارضتها "الوطنية" هو ما سيعيد انتاج حلقات العنف ويفجر صواعق النزاع التي ستنتهي إما بالإخضاع الكامل أو التقسيم والانعزال، لذا لا بد من القطيعة مع البنية السياسية التي أنتجتها الدولة الوطنية ونخبها، وتبنت صيغة تمييزية للوطنية تحابي الدين الإسلامي على حساب باقي الديانات، والعرب على حساب باقي الأقوام، وورثها ونفخها النظام السابق ومعارضته سياسية كانت أم مسلحة.
لسنا (أبناء هذه المنطقة ) أمام اختبارات سهلة، لكن لا بد من التجاسر، فما دون ذلك الإبادة وحلقات العنف والانحطاط مع الهمج وذيولهم.
المقال : عُمر الأسعد
- #عين
- #الذاكرةلاتمحى
- #هويةالجبل
-
-
11/05/2026
صمتٌ ثقيل
وقفتُ في وسط الساحة، أتأمّل وجوهًا أنهكتها الوعود، وأحنتها الهموم.
كانت العيون مثقلةً بحكاياتٍ لا تُقال، وكلُّ واحدٍ منهم يحمل في ذاكرته تفاصيل بيته، ووجوه أحبّائه، وملامح قريته وأرضه، وذكرى تلك الليلة الثقيلة… ليلة الرحيل المؤلمة.
وعلى الجانب الآخر من الساحة، نساءٌ حملن في قلوبهن—قبل أيديهن—صور أحبّتهن الذين فقدوهم في تموز الأسود، ولم يعودوا.
كنّ واقفاتٍ بين الصبر والانكسار، كأنّ الزمن توقّف عند لحظة الفقد.
اقتربت منّي امرأة، ونظرت في عينيّ وسألت:
"مين رايحلك؟"
فاجأني السؤال.
كنتُ أقف هناك بصفتي إعلاميّة، أنقل الحدث، أراقب، وأوثّق.
لكنّي، دون تفكير، التفتُّ إليها وقلت:
"كلّ السويداء."
ارتسمت على وجهها ملامحُ استغراب، فتابعتُ بهدوء:
"أنا إعلاميّة، نعم… لكنّي أيضًا جزءٌ من هذا الحدث. ما مررنا به في تموز لم يكن سهلًا، وكلُّ شهيدٍ ومفقود، وكلُّ قريةٍ في هذه الأرض، هو مني… من أهلي، من ذاكرتي، من وجعي."
صمتت قليلًا، ثم فتحت هاتفها، وأرَتني صورة شاب.
قالت بصوتٍ مكسور:
"هذا زوجي… استشهد على يد الهمج الظالمين، وهو عائد من عمله."
ربتُّ على كتفها، مواسيةً، دون أن أجد كلماتٍ تليق بثقل الفقد.
ومضيتُ بين الحشود…
حشودٍ تجمّعت لتطالب بحقّها في العودة إلى بيوتها المسلوبة، وأراضيها المغتصبة، وتبحث عن مصير المختطفين والمغيّبين قسرًا.
كانت عدستي ترصد وجوههم…
عيونًا تبحث عن خلاص، عن بارقة أمل.
بعضهم يقف في صمتٍ ثقيل،
وبعضهم يرفع صوته بالأهازيج الثورية،
كطيرٍ مذبوحٍ يرقص من شدّة الألم.
النص : هبة كمال أبوسعدا
#عين #السويداء #المغيبين #شهيد
صاح الجبل
#عين
السويداء بين الكم والنوع
حين يتحول الحضور إلى وهم
تشهد السويداء في السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً وفنياً لافتاً من حيث الكم؛ معارض تشكيلية، صالونات أدبية، فرق موسيقية، ومبادرات وجمعيات خيرية تتكاثر بوتيرة متسارعة.
للوهلة الأولى، يبدو المشهد وكأنه نهضة ثقافية طال انتظارها، لكن التمعّن يكشف خللاً عميقاً: تضخم في العدد يقابله تراجع في النوع، واتساع في الحضور يقابله ضعف في الجودة..
فقد أصبحت الألقاب المهنية تُمنح بسهولة دون خبرة كافية، بينما يُهمَّش أصحاب الكفاءة، ما يخلق مشهداً يفتقر للعدالة والتقييم الموضوعي.
يزيد المشكلة غياب ثقافة النقد، إذ يُنظر إليه كتهديد لا كأداة تطوير، مما يسمح بانتشار أعمال ضعيفة ويُربك معايير التمييز لدى الجمهور. كما يساهم الإعلام المحلي في تكريس هذا الخلل حين يساوي بين التجارب الجادة والهواة.
أما الجيل الصاعد، فرغم حماسه، يفتقر أحياناً إلى التوجيه والتراكم المعرفي اللازمين لبناء تجربة ناضجة. ومع ذلك، يمكن اعتبار هذه الحالة مرحلة انتقالية طبيعية تسبق فرز التجارب.
الحل لا يكون بتقليل النشاط، بل برفع جودته عبر تعزيز النقد البنّاء، وتفعيل دور الخبرات، واعتماد تقييم موضوعي، وإعلام أكثر وعياً. فالمشكلة ليست في كثرة الأصوات، بل في غياب البوصلة التي توجهها نحو قيمة حقيقية.
المقال : هبه أبوسعدا
#نهضةبلابوصلة
Click here to claim your Sponsored Listing.